فتح الله الصائغ الحلبي
45
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
وكتب الحاكم لعنة على كل من يسد هذا الشباك مرة أخرى . ويكاد أن يكون هذا المكان مجهولا الآن ، ولا يعرفه إلا القليل من الناس ، لأنه في موضع مخفي جدا ، وقد سدّ ثلثا باب المغارة بالحجارة كي لا يدخلها « 46 » أحد . ثم نزلنا من القلعة ، وقد أخذنا العجب مما شاهدناه ، وذهبنا إلى غرفتنا حيث استرحنا وأكلنا ما لدينا من الزاد . ثم قال لي الخواجة لاسكاريس : يا حبيبي هل تقيد بالورق كل ما رأينا ؟ فقلت : لا ، لأنك لم تسألني ذلك . فقال : فكر بجميع ما وقع لنا من يوم خروجنا من حلب وقيده ، وأريد منك أن تسجل ، كل يوم ، جميع ما نراه وما يجري علينا ، من مليح ومن قبيح . وعند المساء تقرأ لي ما كتبته حتى أقيده عندي باللغة الفرنسية . فقلت : سمعا وطاعة . ومن ذلك اليوم ابتدأت أحرر كل ما يحدث لنا يوما بعد يوم . وعند المساء ، قبل النوم ، اقرأ له ما كتبت ، وهو بدوره يقيد عنده ، في كتاب خاص ، جميع ما حدث في ذلك النهار ، واحفظ عندي في صندوقي الورقة الطيارة . واستمريت على هذا الحال ، كل يوم أكتب ما يقع لنا وما نشاهد ونسمع ، مدة ست سنوات سياحتنا ، بل إني تابعت التدوين مدة عدة أيام بعد نياحة المرحوم لاسكاريس أبي الروحي ، الذي قضى نحبه [ في نهاية رحلتنا ] ، كما 1 / 9 سنشرحه لمسامعكم الكريمة / في آخر هذه السيرة . ثم أقمنا في حمص ثلاثين يوما . ومن جملة ما شاهدناه وعرفناه أن أهلها كرام « 47 » ، أصحاء الأجسام ، أنقياء الدم . حمر الوجوه ، نساؤها جميلات وكذلك رجالها ، إلا أنهم غشماء ، خلافا لأهل حماة ، مع أن المسافة بين البلدين لا تزيد على اثنتي عشرة ساعة ، كما ذكرناه سابقا . وهذا الفرق العظيم في الطباع ناتج عن الماء مع أن البلدين يشربان من العاصي . إلا أن الماء تتغير بمرورها في الأراضي ، ولذا فإن الماء الداخلة إلى حماة زرقاء صافية . بينما مياه حمص بيضاء مثل الحليب ، فعرفنا أن الفرق بين سكان البلدين ناتج عن هذه الحركة . وبعد ذلك قلنا لنوفل : نريد أن نتوجه إلى قرية صدد ، ونرغب من همتك أن تجد لنا أناسا يحملون بضائعنا ويذهبون بنا إلى صدد . فقال على الرأس والعين . وغاب ساعة من
--> ( 46 ) « يفوت » . ( 47 ) « محسنين » .